حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
417
التمييز
الموت لانّه يتوصل به إلى الحياة / 202 أ / الحقيقية . ولمّا كانت النّعم الاخرويّة لا وصول لها إلّا بالموت فالسبب الذي به يتوصل إلى النّعمة نعمة . وقال اللّه تعالى وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ « 1 » تنبيها على أنّ الموت سبيل إلى الحياة المستفادة عند اللّه وذريعة إلى السّعادة الكبرى . وقال بعض الاعراب : إذا أنا متّ أين يذهب بي . فقيل : إلى اللّه ، قال : لا أكره أن أذهب إلى من لم أر الخير إلّا منه . وقال سبحانه ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ « 2 » ، فنبّه على أنّ هذه التغييرات لخلق أحسن ونقض هذه البنيّة لا عادتها على وجه اشرف كالنوى المزروع الذي لا يصير نخلا مثمرا إلّا بعد فساد حبّتها وكذلك البزر إذا ألقي في الأرض يعدّ من لا يتصوّر حاله فسادا ، ومن عرف اللّه بأسمائه وصفاته العلا فملأت عينه وقلبه وسلبت لبّه فهو يحنّ إلى ذلك المشهد ويحوم على ذلك المورد ويستعجل انجاز الموعد ، ومن وثق بما له عند اللّه أحبه . وقد قال اللّه لمدعي المحبة فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 3 » تنبيها على أنّ من كان متحقّقا بحسن حاله عند اللّه وحسن ظنّه عنده لم يكره الموت ، شعر « 4 » ( الطويل ) ا تجزع من الموت هذا الجزع * ورحمة ربّك فيها الطمع / 202 ب / ولو بذنوب الورى جئته * فرحمته كلّ شيء تسع وإن حسن الظنّ باللّه هو محطّ رحال الأولين والآخرين ، وقد حثّ الحق تعالى على حسن الظنّ به ، فقال في الحديث القدسي : « أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي خيرا » « 5 » . وفي ذلك بشرى من اللّه عظيمة لأنّ في الظنّ نوعا من
--> ( 1 ) سورة آل عمران : آية ( 158 ) . ( 2 ) سورة المؤمنون : آية ( 14 ) . ( 3 ) سورة الجمعة : آية ( 6 ) . ( 4 ) البيتان لجمال الدين بن مطروح . وفيات الأعيان 6 / 266 . ( 5 ) المقاصد الحسنة للسخاوي ، ص 96 ؛ مختصر المقاصد الحسنة للزرقاني ، ص 66 .